التعليق على الروض المربع كتاب البيع باب الإجارة – الشيخ عبدالله الميمان

المقدمة والتمهيد

 

الافتتاحية والدعاء

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً صالحاً يا كريم. أما بعد:

موضع التوقف من باب الإجارة

وكنا قد توقفنا في التعليق على الروض المربع على أثناء باب الإجارة. وتقدم في المجلس الماضي ذكر أول باب الإجارة وشروط صحتها، وذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن الإجارة تصح بثلاثة شروط، وهي: معرفة الأجرة، ومعرفة المنفعة، والإباحة في نفع العين، وتوقفنا على الشرط الثالث: الإباحة في نفع العين.

مداخلة واستهلال

(مداخلة): الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر للمؤلف ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين.


 

الشرط الثالث: الإباحة في نفع العين المقدور عليه

 

نص المؤلف وشرح الشرط الثالث

قال المؤلف رحمه الله: “الشرط الثالث: الإباحة في نفع العين المقدور عليه المقصود، كإجارة دار يجعلها مسجداً، أو شجر لنشر ثياب، أو قعود بظله.”

شروط المنفعة السبعة (تلخيص ابن قايد)

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الشرط الثالث، وهنا ذكر عدة شروط في المنفعة التي يصح عقد الإجارة عليها، وقد لخصها ابن قايد رحمه الله في حاشية المنتهى فذكر أن محصل ما يُعتبر في النفع سبعة أمور:

  1. الإباحة: أن تكون المنفعة مباحة، فتخرج المنفعة المحرمة.
  2. إطلاقها: أن تكون مباحة مطلقاً، لإخراج ما يباح للحاجة أو الضرورة (مثل كلب الصيد).
  3. كونه مقصوداً: أن يكون النفع مقصوداً، فلو استأجر طعاماً ليتجمل به ثم يرده لم يصح، لأن المنفعة المقصودة هي الأكل.
  4. كونه متقوماً: أي له قيمة، فما كان غير متقوم لا يصح، مثل: إجارة تفاحة للشم، لأن المنفعة (الشم) لا تُقوَّم.
  5. أن يمكن استيفاؤه مع بقاء العين: فإذا كان لا يمكن أن تُستوفى المنفعة إلا بذهاب العين فلا يصح (مثل استئجار الطعام للأكل).
  6. القدرة (التي ستأتي في الشرط الثالث للعقد).
  7. أن يكون النفع للمستأجر: يعني مملوكاً للمستأجر.

المقدور عليه والمقصود (توضيح القيدين)

  • المقدور عليه: يخرج غير المقدور عليه، كالمغصوب، ومثال ذلك: إجارة ديك يوقظه للصلاة، فهذا غير مقدور عليه لأن المنفعة (صياح الديك في الوقت المحدد) لا يمكن استخراجها بضرب ولا غيره.
  • المقصود: كما قلنا في إجارة الطعام والشمع ليتجمل به، لأنها ليست المنفعة المقصودة منهما.

أمثلة للمنافع المباحة الصحيحة

ذكر أمثلة لما تحقق فيه الشروط: كإجارة دار يجعلها مسجداً، أو شجر لنشر الثياب أو قعود بظله. وهذا يصح لأنها منفعة مباحة يمكن استيفاؤها مع بقاء العين. وإذا كانت الشجرة في أرضه أو حريم داره يملك منفعتها وله أن يؤجرها.

مسألة الظل العام (تذكرة فقهية)

الجدار خارج المنزل (في الشارع) يُباح الانتفاع بظله مُستنداً للعرف، لأن الناس يتساهلون في مثل هذا ولا يتخاصمون. لذلك، هو يُنَبِّه على جواز تأجيرها مع أنها مباحة الانتفاع بالعادة.

حكم إجارة المحرمات وعلتها

قال المؤلف: “فلا تصح الإجارة على نفع محرم كالزنا والزمر والغناء، وجعل داره كنيسة، أو لبيع الخمر، لأن المنفعة المحرمة مطلوب إزالتها، والإجارة تنافيها.”

  • توضيح الغناء: المراد هنا الغناء المحرم، الذي فيه الإشادة بالمحرمات، أو الشعر المباح بالمعازف والموسيقى.
  • العلة: أن المنفعة المحرمة مطلوب إزالتها، والإجارة ستزيدها وتنافي الإزالة.

الإجارة مع ظن الفعل المحرم

قال المؤلف: “وسواء شرط ذلك في العقد أو لا، إذا ظُنَّ الفعل.”

إذا غلب على ظن المؤجر أن المستأجر سيستعمل العين في منفعة محرمة (كأن يؤجر محلاً لمن هو معروف ببيع أشرطة الغناء)، فلا يجوز له تأجيره ولو لم يُشترط ذلك في العقد.

مسألة الأغلب في النشاط

إذا كان الأغلب في نشاط المحل (كالسوبر ماركت الذي يبيع الدخان) المنفعة المباحة، فيصح التأجير بالجواز. أما إذا كان الأغلب المنفعة المحرمة، فلا يجوز.

أمثلة لما لا تصح إجارته (لعدم القدرة أو عدم القصد)

قال المؤلف: “ولا تصح إجارة طير يوقظه للصلاة، لأنه غير مقدور عليه.”

  • العلة: لأن المنفعة تتوقف على فعل الديك، ولا يمكن استخراج ذلك بضرب أو غيره، وقد يصيح أو لا يصيح.

قال المؤلف: “ولا شمع وطعام ليتجمل به ويرده، ولا ثوب يوضع على نعش ميت، ذكره في المغني والشرح.”

  • العلة: لأن التجمل بالشمع والطعام ليس بمنفعة مرعية في الشرع، وتبادل المال فيه سَفَهٌ، وأخذه أكل مال بالباطل.
  • ولا نحو تفاحة (للشم): لا يصح استئجارها للشم لأن المنفعة غير مقصودة وغير متقومة، كما أن رائحتها تذهب سريعاً.

إجارة حائط لوضع خشب

قال المؤلف: “وتصح إجارة حائط لوضع أطراف خشبه المعلوم عليه، لإباحة ذلك.”

الأصل ألا يمنع الجار جاره من وضع خشبه على جداره (فيبذله له مجاناً أو بأجرة)، ويصح أن يبذله له بأجرة لإباحة هذه المنفعة وكونها مقدوراً على تسليمها.

حكم تأجير المرأة نفسها بعد النكاح

قال المؤلف: “ولا تُؤجَّر المرأة نفسها بعد عقد النكاح عليها بغير إذن زوجها، لتفويت حق الزوج.”

  • العلة: لأنها إذا آجرت نفسها (كوظيفة) بغير إذن الزوج، ففي هذا تفويت بحق الزوج (حق الاستمتاع وحقوق الخدمة ونحوها)، فلا بد أن يكون بإذن الزوج.
  • رأي ابن عثيمين: قال شيخنا ابن عثيمين رحمه الله في حاشية الروض المربع: يؤخذ من هذا التعليل (لتفويت حق الزوج) أنها لو آجرت نفسها على وجه لا تفوت به حق الزوج صح ذلك، مثل: أن تستأجر لخياطة ثوب في وقت يكون الزوج خارج المنزل.

 

فصل: شروط العين المؤجرة الخمسة

 

نص المؤلف عن الشروط الخمسة

قال رحمه الله: “فصل: ويُشترط في العين المؤجرة خمسة شروط.”

(مقدمة: الشروط العامة للإجارة)

القاعدة العامة: كل ما صح بيعه صح تأجيره. المستثنيات: الحر والحرة، والوقف، وأم الولد، فلا يصح بيعها ويصح تأجيرها.

 

الشرط الأول: المعرفة برؤية أو وصف

 

نص المؤلف وتفصيله

“أحدها: معرفته برؤية أو وصف إن انضبط بالوصف.”

  • الرؤية: لكل مرئي (سيارة، بيت ونحو ذلك).
  • الوصف: إن انضبط به (كالذي يُحال إليه في باب السلم). فما لا ينضبط بالوصف لا يصح استئجاره إلا بالرؤية.
  • القول الآخر: يجوز الإيجار بالصفة، ويثبت له خيار الرؤية إذا رآه.

أمثلة لما لا بد فيه من الرؤية

“فلو استأجر حماماً فلا بد من رؤيته، لأن الغرض يختلف بالصغر والكبر، ومعرفة مائه، ومشاهدة الإيوان، ومطرح الرماد، ومَصْرَف الماء.”

حكم إجارة الحمام والكراهة

“وكره أحمد كراء الحمام لأنه يدخله من تنكشف عورته فيه.”

هذه الكراهة هي كراهة تنزيه، والعقد صحيح عند جمهور أهل العلم. والعلة في كراهة أحمد أنه قد تبدو فيه عورات الناس، فكرهه ورعاً، ولكن عقد الإجارة صحيح.


 

الشرط الثاني: أن يُعقد على نفعها المستوفى دون أجزائها

 

نص المؤلف وتفصيله

“والشرط الثاني: أن يُعقَد على نفعها المُستوفى دون أجزائها.”

“فلا تصح إجارة الطعام للأكل ولا الشمع ليُشعله.”

  • العلة: لأن الإجارة عقد على المنافع وليست بيع أعيان، وهنا المنفعة لا تُستوفى إلا بإتلاف العين وذهابها، فيكون كأنه بيع وهو عقد إجارة، فلم يَجُزْ.
  • خلاف شيخ الإسلام: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يُجوِّز هذا، ويقول: ليس هذا بإجارة، بل هو إذن في الإتلاف من باب الالتزام.

مسألة اجتماع البيع والإجارة (في الشمعة)

“ولو اكترى شمعة ليُشعل منها ويرد بقيتها، وثمن ما ذهب وأجر الباقي، فهو فاسد.”

  • العلة: ليس لاجتماع العقدين (بيع وإجارة)، ولكن لوجود الجهالة في كل منهما؛ فما وقع عليه البيع (ما سيُستهلك) مجهول القدر، ففسد العقدان.

حكم إجارة الحيوان لما ينفصل منه

“ولا حيوان ليأخذ لبنه أو صوفه أو شعره أو وبره، إلا في الظِّئْر فيجوز وتقدم.”

  • العلة: لأن مورد عقد الإجارة هو النفع، وهنا المقصود هو العين (اللبن/الصوف)، وهي لا تملك ولا تستحق بالعقد.
  • استثناء الظِّئْر: الظِّئر (المرضعة) يجوز استئجارها، والعقد فيها يكون على فعل الظِّئر (الحضانة والإرضاع) لا على اللبن نفسه عند الأصحاب، خلافاً لشيخ الإسلام الذي قاس إجارة الحيوان عليها.

نقع البئر والمستلزمات (تدخل تبعاً)

“ونَقْع البئر (أي ماؤها المستنقع فيها) وماء الأرض يدخلان تبعاً، كحبر ناسخ وخيوط خياط وكُحْل كَحّال ومَرْهَم طبيب ونحوه.”

  • هذه الأعيان (كالماء، والحبر، والخيوط) تدخل في عقد الإجارة تبعاً، وليست أصالة، لأن الماء لا يُملَك أصالة، والحبر والخيوط هي مستلزمات للعمل المؤجَّر عليه.

 

الشرط الثالث: القدرة على التسليم كالبيع

 

نص المؤلف وتفصيله

“والشرط الثالث: القدرة على التسليم كالبيع، فلا تصح إجارة العبد الآبِق والجمل الشارد والطير في الهواء، ولا المغصوب مِمَّن لا يقدر على أخذه، ولا إجارة المشاع مفرداً لغير الشريك، ولا يُؤجَّر مسلم لذمي ليخدمه، وتصح لغيرها.”

أمثلة عدم القدرة على التسليم

  • العبد الآبِق والجمل الشارد والطير في الهواء: لا تصح إجارتها، لأنها غير مقدور عليها، ولا تصح إجارتها ولو من قادر على تحصيلها (قياساً على البيع).
  • المغصوب: لا يصح تأجيره لمن لا يقدر على أخذه من الغاصب، لكن يصح تأجيره لمن يستطيع ذلك (كأن يكون رئيس الغاصب).

حكم إجارة المشاع

“ولا إجارة المشاع مفرداً لغير الشريك.”

  • القول المشهور: لا يصح لغير الشريك، لأنه لا يقدر على تسليمه إلا بتسليم نصيب شريكه، وهو لا ولاية له على مال شريكه.
  • القول الراجح عملًا: يجوز، وهو ما عليه العمل والمفتى به عند بعض الأصحاب (وقال عنه المرداوي في التنقيح: “وهو أظهر وعليه العمل”)، ولأن المشاع يجوز بيعه فجازت إجارته.
  • تطبيق معاصر (شقق التمليك): إذا كانت الأجزاء مشاعة (كالسطح)، فلا يجوز لأحد الشركاء تأجير نصيبه للغير إلا بإذن جميع الشركاء.

حكم تأجير المسلم للذمي

“ولا يُؤجَّر مسلم لذمي ليخدمه، وتصح لغيرها.”

  • لعمل معين (لغير الخدمة): يجوز بالإجماع، لإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه لما آجر نفسه من يهودي ليستقي له.
  • للخدمة (الملازمة): لا يجوز عند الإمام أحمد في رواية، لأنه عقد يتضمن حبس المسلم عند الكافر وإجلاله له، وأشبه بيع العبد المسلم للكافر.

 

ملحق: أسئلة ومناقشات

 

سؤال: التوفيق بين استئجار الدار مسجداً وشرط الوقف على التأبيد؟

الجواب: المسجد الذي يأخذ حكم الوقف المؤبد هو ما قصد صاحبه تمليكه وقفاً. أما الدار المُستأجَرة أو المُجْعَلة مسجداً مؤقتاً (كمسجد محطة أو مزرعة)، فلا تأخذ حكم الوقف المؤبَّد، والذي يملك المنفعة له أن ينقلها أو يغيرها.

سؤال: حق الزوج في منع الزوجة الموظفة؟

الجواب: إذا كانت الزوجة قد آجرَت نفسها (كانت موظفة) قبل عقد النكاح، وسكت الزوج ولم يشترط عدم استمرارها، فالأصل أنه ليس له حق المنع، لأن سكوته إقرار لعقد سابق. أما إذا كانت الوظيفة عقداً جديداً بعد الزواج، فلا بد من إذن الزوج، لأنها تفوت حقه.

سؤال: الفسخ عند تحول النشاط إلى محرم؟

الجواب: إذا أجر شخص محلاً بنشاط مباح، ثم تبين أن المستأجر يعمل به في نشاط محرم، فيُنظر إلى الأغلب:

  • إذا كان أغلب النشاط محرماً، فله حق الفسخ.
  • إذا كان المحرم كثيراً لكن أغلب النشاط مباح، فليس له حق الفسخ، لكن بإمكانه ألا يجدد له العقد بعد انتهائه.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*